المجالية بمفهومها الضيق
التصور الذي يحمله الإنسان حول المجال، بما هو تصور وإن كان يميل نحو الثبات أي
إرساء وضعية اجتماعية ثقافية في رحاب ممتد يضمن للإنسان شروط البقاء لاحتواء على
موارد من ماء وتربة وكلأ، ومجال معمر بالدور والقبور، ومجال قابل للتعمير في الحال
والمآل. هذه الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لكون المجالية في نهاية
المطاف وحدة سوسيوثقافية معينة متجانسة بقيمها وأعرافها وتقاليدها وتجانسها
الإثنوغرافي أو تعددها، لا تفتأ تعرف بعض التزحزح، إذ لا ثبات في التاريخ، لكن
كلما تغير الوضع تلفى نزوعا إنسانيا نحو إنشاء وضعية يسود فيها الاستقرار على
شاكلة الدولة بالمفهوم الغربي (etat)، التي نترجمها دولة، والحال أنها وضعية بالمعنى
اللغوي والحقيقي. إذ لا ينتظم تدبير شأن الإنسان وموارده إلا في وضعية مستقرة، وإن
كان تخضع لبعض التحول، فإن الإنسان ينزع دوما نحو إنشاء تصور ستاتيكي حول المجال
بما هو وضعية، وإن هذا التصور ثقافي في الغالب.
جرى تكليفي لأقضي
ثلاث أيام بحوض گير في حصتين اثنثين: الحصة الأولى خصصت
لاتحاد المبادرات التنموية التي نظمت مهرجان بوعنان للثقافات الأصيلة،
بمركز بوعنان غرب إقليم فيجيج، يوم 04 من
شهر فبراير من العام 2016، و05 منه و06 منه فكان أن حضرت المجالية صباح يوم 06 من
شهر فبراير من العام 2016، في مداخلة تحت عنوان: «حوض گير: الانسجام الثقافي
والمجالي»، وفي اليوم الموالي/ 07 من شهر فبراير من العام 2016 جرى لدن جمعية
الألفية الثالثة لتنمية الفعل الجمعوي بالجنوب الشرقي المغربي لألقي مداخلة ذات
صلة بأرض الجموع بقاعة الاجتماعات بلدية بوذنيب بإقليم الرشيدية صباح يوم الأحد 07
من شهر فبراير من العام 2016، أي: أشتغل ضمن يوم دراسي سمته «أرضون الجموع ورهانات
التنمية الاقتصادية والاجتماعية بجهة درعة تافيلالت». ومعنى ذلك أن حوض گير بشطريه الشطر التابع
لإقليم فيجيج والشطر التابع لإقليم الرشيدية بات سكانه يعيدون النظر في المجالية
من حيث التنمية والثقافة والسياسة. وطالما حضرت المجالية في مناسبات أخرى بالحوض
منذ الإعداد لمشروع الجهوية المتقدمة في المغرب. ولقد استرعى انتباهي هذا الاهتمام
الذي أدرج في مناسبات بأبسط الإمكانيات فما كان علينا إلا أن ننساق وراء هذا
الاهتمام. ولأن المجالية التي احتضنتها قاعة بلدية بوذنيب متعددة لتعدد المداخلات والمتدخلين
ستقدم في الاعتناء، تقدم مجذذة في حلقات مادام تفريغ السجل الصوتي، وتحويل الشفاهي
إلى الكتابي، يستدعي أواناً طويلا.
وبصدد اليوم الدراسي حول «أرضين
الجموع ورهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بجهة درعة تافيلالت» الذي احتضنته بلدية بوذنيب، وجب أن نسجل أنه ندر ما فتحت بلدية
بوذنيب أبوابها للجدل والتماري
والتفكير، ولما بدأ يحصل ذلك
نقول، إن هناك استنارة فائقة نشأت تغزو بوذنيب النقطة
العمرانية ذات الدلالة في تاريخ المغرب الحديث. نأمل أن تواكب
هذه الاستنارة، التي يقظت في بلدية بوذنيب وجماعة
واد النعام
الترابية، النهضة الزراعية في مجال الغراسة والبستنة التي
أخذت نموذجها
منطقة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. ولا عجب إن أضحت بوذنيب في المآل
مدينة عالمية مشهورة بالتمور من نوع جيد، وهذا الطموح يستدعي إزاحته جانبا
والتعبير عنه في العقبى لكي لا يسوق كثقافة طوباوية، وما أحوجنا إلى كل طوباوية
تثلج الصدر، في هذا الزمان الردئ.
اليوم الدراسي حول «أرضين
الجموع ورهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بجهة درعة تافيلالت» كان في حصتين:
الحصة الأولى بدون عنوان انتظمت في كلمتين وثلاث مداخلات. كلمة جمعية الألفية
الثالثة لتنمية الفعل الجمعوي بالجنوب الشرقي، وكلمة جمعية الجماعات السلالية
لتنمية قصر بوذنيب ثم خصص في العقبى مجال لمداخلة حول «حوض گير: المجالية والهوية
الثقافية» (لحسن ايت الفقيه)، ومداخلة ثانية حول «الولوج إلى أرضين الجموع بين
الحداثة والتقليدانية» للأستاذ محمد فرح، ومداخلة ثالثة سمتها:«إستراتيجية وكالة
الحوض المائي لگير زيز غريس في إرساء حكامة تدبير الموارد المائية» لوكالة الحوض المائي
المذكورة أعلاه وهي مداخلة لم يحضر ملقيها حتى مضى أمد الحصة الأولى وأمد الحصة
الثانية التي انتظمت في تقديم أربع تجارب وتقدم الجمع الحاضر في النقاش، فكان أن
كرب اليوم الدراسي أن ينتهي ليدخل الأستاذ عبد الرحمان محبوب عن وكالة الحوض
المائي المذكورة، فيخصص له مجال الإلقاء وأرجئت ردود المتدخلين بعضهم لتضحى غير
مرغوبة فيها مرغوب فيها، وكل ينظم أمره على الشاكلة التي يرغب فيها، وقد يحسن
التداخل أحيانا بين المرغوب والمرغوب فيه.
حوى ملف المشاركة أرضية
نسبت إلى جمعية الألفية الثالثة لتنمية الفعل الجمعوي ركزت على الجماعات الترابية
أدوارها واختصاصاتها وفق ما حواه دستور 2011 واستغرقته القوانين التنظيمية.
فالجماعات الترابية «وحدات التنمية الاقتصادية والاجتماعية» اهتدى «المشرع المغربي
أن يخصص لها في دستور 2011 مجموعة من المواد:135، و136، و139، و140، و144، و145،
و146»، وكلها تروم جعل الجماعة الترابية «تركز من خلالها على المبادئ الأساسية
للجماعات الترابية والمتمثلة أساسا في التدبير الديموقراطي: التفريع، التدرج
والتمايز، التدبير الحر، التضامن والتعاون، المشاركة والحكامة». وتناولت الأرضية «أهم
الإجراءات العملية لتنزيل المبادئ» المذكورة والتي تتجلى في «إلزام رؤساء الجماعات
الترابية بإعداد تنفيذ برامج عمل الجماعات
وتتبعها وتقييمها»، وفق ما تنص عليه المادة 78 من القانون التنظيمي 14-113 المتعلق
بالجماعات. ولم تغفل الأرضية ذكر فقرات بالحرف، إن لم تكن النصوص بكاملها، ذات
الصلة بالقوانين المذكورة. وإن تأسيس الأرضية بتذكير نصوص الدستور والنصوص
التنظيمية شأوه التمهيد لما هو منتظر في بحر سنة 2016 التي قد «تعرق نقاشا عموميا
من أجل بلورة تصور لكيفية تدبير المجال الترابي، وستكون مناسبة لاستثمار الفرص
المتاحة لبناء برامج عمل الجماعات الترابية، الفرص التي تأخذ بعين الحاجات
الأساسية للسكان وفق الإمكانيات البشرية والترابية». واسترسلت الأرضية في دواعي
النقاش المذكور طمعا في «البحث عن مداخل ممكنة لاستثمار هذه الموارد»، وللتأسيس
لدور المجتمع المدني، إن في الأدوار الدستورية المسندة له، أو من خلال الممارسة،
إذ إن «للمجتمع المدني بالجنوب الشرقي دورا رياديا في خلق دينامية مدنية تعنى بأرض
الجموع سواء على المستوى المحلي أو الوطني»، الدينامية التي انجر عنها «انخراط
الفاعل السياسي والفاعل المدني في النقاش العمومي حول أرض الجموع»، وذلك هو المراد
المرغوب فيه من اليوم الدراسي المذكور، أي: الوقوف عند إستراتيجية الجماعات الترابية في تدبير أرض الجموع وكيفية
إدماجها في المخططات الجماعية، والوقوف عند وضعية أرضين الجماعات السلالية بين
إكراهات الواقع وسيناريوهات التثمين، وتحديد دور المجتمع المدني في تفعيل مبادئ
الحكامة الجيدة في تدبير الملف. ولقد حضر في اليوم الدراسي مختلف الفاعلين ممثلي
الجماعات السلالية والجماعات الترابية المحلية والإقبيمية والجهوية إضافة إلى
الفاعلين المدنيين المهتمين بأرض الجموع وممثلي المصالح الخارجية بالموضوع ورجال
الصحافة والإعلام.
ورد في كلمة جمعية
الجماعة السلالية لقصر بوذنيب للتنمية المفتتحة لليوم الدراسي المذكور، تلاها
السيد عبد الحق لمرابط: «إن موضوع الاستثمار بالأرض السلالية موضوع كبير وعريض
يحتاج منا إلى الكثير من التفكير والدراسة والتمحيص بنوع من الدقة التي وراءها
جدية ومسؤولية لوضع الأمور في أماكنها حتى نتمكن من استغلال جوانبه الإيجابية التي
تخدم مصلحة ذوي الحقوق خاصة والمنطقة عامة، وحتى نتمكن كذلك من الوقوف عن كتب، على
المشاكل التي يعرفها، وبالتالي رصد الاختلالات التي تحول دون تقدمه، ونتمكن
بالتالي من معالجتها وتقويمها بشكل دقيق مستحضرين بعده المحلي والإستراتيجي في
التنمية على المستويين المحلي والجهوي».
وأما المداخلة حول حوض گير «إشكالية المجالية
والهوية الثقافية» (لحسن ايت الفقيه) فهي مداخلة مختصرة مقتبسة من المداخلة التي
ألقيت بمناسبة مهرجان بوعنان حول حوض گير الكبير: الانسجام الثقافي والمجالي والتي
سنعود إليها في حلقة أخرى بعد تفريغها. استغرقت المداخلة «حوض گير: إشكالية المجالية
والهوية الثقافية» ثلاث فقرات: المجالية والنظام الحمائي ببوذنيب، ومجالية أيت يزدگ، ومجالية أيت موسى، وهي
الفقرة التي لم يسمح المجال المخصص للمداخلة بالتطرق إليها.
لماذا فقرة المجالية
والنظام الحمائي ببوذنيب؟
سبق للأستاذ حسن أوريد أن
أورد استشهادا حول قصر الطاوس الذي بني بجوار قصر بوذنيب كلاما يستدعي الوقوف
عنده، أورده في تنغير يوم السبت 09 من شهر يناير من العام 2016 حيث قال بالحرف: «ومادمنا في تنغير بالجنوب الشرقي ذي تاريخ عريق، وخصوصية
لزم أن نقرأ صفحات من تاريخ الجنوب الشرقي. وسأقرأ معكم صفحة تحمل دلالة عميقة
للغاية.. ولا معنى للتاريخ، إن اقتصر على سرد المعطيات، أي: إذا لم نستخلص منه بعض
الدروس فإنه لن يفيدنا. وإنه من الأساسي أن نستخلص التجربة والدروس من التاريخ»،
كانت تتعلق بما جرى في القرن التاسع عشر «وكلنا يعرف أنه جرى احتلال الجزائر [سنة
1830]، ومنذ وقتها، نشأت فرنسا تتقدم صوب الصحراء بالجنوب الشرقي المغربي. انطلقت
المقاومة بانخراط أيت خباش تافيلالت وبني امحمد، كلهم هرعوا للدفاع عن إخوانهم
باسم الجهاد والدفاع عن الإسلام، وباسم العلاقة التي تربطهم... وجرى أن مات بعضهم،
واجتمع ايت خباش [أحد أبطن أيت عطا] وبني امحماد واستقر رأيهم على بناء قصر
الطاوس، لا أقصد الطاوس الكائن قرب مرزوگة، وإني أقصد الطاوس قرب قصر بوذنيب، بنوه
لأرامل المقاومين الذين توفوا في بساط المقاومة، وأعملت القبائل آصرة القرابة
وجسدوها، منها قبائل تتكلم الأمازيغية وأخرى تتكلم العربية، مادامت تجمع بينها
قضية. إذن لا بد من استحضار بعض الصفحات وبعض الدروس». ولقد تقدم الأستاذ سليمان
مزيان مسير هذا اليوم الدراسي بالرد عليه في طور النقاش، ولقد وجب الوقوف عند هذه
المسألة بناء قصر (دوار) الطاوس لعلاقته بإعادة صياغة عرف بوذنيب سنة 1910.
نشير
إلى أنه حصل حصل ببوذنيب تحالف وظيفي بطريقة الدروع البشرية بعد حدث مقتل بوالمعطي
أنشئت ببوذنيب جماعتان سلاليتان أيت أونبكي وأيت بوذنيب بعد سنة 1893. تشمل أيت
أونبگي عشيرتين: أيت خباش وأيت أومناصف. في سنة 1893 قتل قائد قصر بوذنيب المدعو عبو المعطي،
وهب حوالي 40 أسرة حليفة (أو قاتلة) للاستنجاد بأيت يزدگ،
وأيت عيسى بواد أيت عيسى، وأيت ناصر قبيلة عربية. وفي الوقت الذي يستعد هؤلاء للتحرك
(الحركة) بتسكين الراء باللسان الدراج، جرى الاستنجاد بأيت عطا الجنوب لجماية قصر
بوذنيب ولما تمكّنوا (من التمكين) نشأت
جماعاتان سلاليتان جماعة أهل بوذنيب وجماعة أيت أونبگي:
تتكون من أيت خباش وأيت أمناصف. وعقب ذلك يكون إحداث قصر الطاوس، وكان تغيير العرف
سنة 1910. ولتغيير العرف مغزاه ود سكان بوذنيب تجاوز الصراع العشائري الذي انجر عنه
مقتل عبو المعطي سنة 1893، ففضلا عن الدرع البشري المدافع الذي أنشأه بوذنيب بدعم
من أيت أونبـگـي (أهل الضيف ) بالأمازيغية وهو درع حمائي نشأ على شاكلة
نظام الدفاع السائد في مغرب ما قبل الحماية الفرنسية فرضت المادة 86 من عرف بوذنيب
على كل أجنبي أقدم على طلب الحماية بالدم (الذبيحة) أن يذبح على القبيلة كلها. ولا
يحق له طلب الحماية بالدم من عشيرة معينة أو عائلة أو أسرة، ولا يمكن لقاطن بوذنيب
أن يقدم ذبيحة لأمازيغي، وإذا فعل ذلك سيدفع ذعيرة قدرها 10 مثقال، وبالمقابل كل أمازيغي عطاوي قبل الذبيحة سيؤاخذ بالغرامة
نفسها 10 مثاقيل. ومعنى ذلك أن قصر بوذنيب وحدة سوسيومجالية وسوسيوثقافية متجانسة
بقوة المادة 86. ولذرء العشائرية مساوئها ينتخب شيخ قصر بوذنيب بالاختيار من لدن الأمازيغ
لمدة سنة كاملة المادة وفق المادة 89 من العرف المذكور، وهي المادة الأخيرة، وفي
ذلك ضمان لأيت أونبـگـي الدرع البشري
الحامي الحق في الرأي، وأما
الاستفادة من المجالية فيقضي المساهمة في الحرب مع سكان بوذنيب. ومن هذا المنطلق
جيء بسكان أيت أونبگي أيت أومناصف مع أيت خباش فحصلوا على الأرض وبنوا قصر الطاوس.
ويقضي المساهمة في الحرب يعني المساهمة بالدم، ويفيد ترسيخ القرابة بين الإنسان
والأرض وفق المادة 80 من العرف المذكور. وكل من يبتغي انتجاع مراعي بوذنيب (أكدال)
يضع نفسه رهن إشارة قبيلة القصر بالنفس للمشاركة في الحرب. ومن هذا المنطلق لم
تخرج مجالية بوذنيب عن المجالية الأمازيغية بل هي نظام يروم دعم ما يسمى قبيلة
القصر. ولم تغفل بوذنيب إدخال النسب الشريف في الرأي لذلك نصت المادة 88 من العرف
المذكور أنه في حال وفاة مولاي أحمد بلعربي يختار الأمازيغ خلفه من بين الشرفاء،
وتستمر هذه القاعدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.ما هي وظيفة
الشريف مولاي أحمد بلعربي ومن يخلفه؟ إنه يتفق مع الشيخ لتحديد موعد جني التمور (المادة 69) ويتفق مع
الشيخ والمزارگ لإضافة بعض المواد للعرف إن تبين عدم شموليته (المادة 84). ويمتد نطاق الحماية ببوذنيب ليشمل الرتب
فحسب المادة 44 من عرف بوذنيب فإن القصر يستقبل سكان الرتب في حال وقوع الحرب
هناك، يستقبلهم ويحميهم بدون ذبيحة على القصر. ومرد ذلك إلى الحماية التي منحها أيت
أونبكي لقصر بوذنيب بعد مقتل عبو المعطي سنة 1893. ذلك هو نموذج المجالية المعدلة بقصر بوذنيب ونموذج
الحماية بالدروع البشرية وفق ما يقتضيه نظام الحماية.
وتتعلق الفقرة
الثانية من المداخلة بمجالية قبيلة أيت يزدگ قوامها «تامازيرت»
أي: البلاد بالأمازيغية. وتشكل «تامازيرت» وحدة قياس المساحات الزراعية لدى أيت
يزدگ بما هي قبيلة تمكنت من الحصول على نصيبها بواحة بوذنيب. وتتكون «تامازيرت»،
وهي وحدة سوسيوثقافية متجانسة من وحدات صغيرة تدعى بالأمازيغية «تامزداغت» وهي
مساحة ترابية صالحة للزراعة تبلغ (40) أربعين حبلا، والحبل أربعون قصبة مربعة في
المتوسط، وغن كان الحبل يختلف من واحة إلى أخرى في المجال اليزدگي، وطول القصبة
ثلاثة أمتار. وينبغي أن نشير أن كلمة «تامزداغت» لا تفيد إطلاقا المسكن، ولا علاقة
لها بالإسكان. إنها مساحة ترابية صالحة للزراعة، يكفي محصولها السنوي لإعالة أسرة
تقليدية غير نووية، تضم، فضلا عن الآباء والأبناء، الأعمام وذريتهم، والأجداد وحفدتهم.
وفوق ذلك، تعد «تامزداغت» شرطا أساسا
للاستقرار.
وتشكل أيت يزدگ
تجمعا عشائريا، يضمن تجانسه في قوة تنظيمه للعلاقة بين الإنسان والأرض، بناء على الوحدة
الأساسية لقياس المساحات بالجنوب الشرقي المغربي، أي: «الحبل» الذي تعد «تامزداغت»
من مضاعفاته، بناء على القاعدة 40، كما سلفت الإشارة إليه. ويحصل تنظيم المجال
الزراعي كالتالي:
- نصيب «أيت مومو»
التي تضم أيت إبراهيم، وأيت حاحو، وأيت عتو 13 «تامزداغت».
- نصيب «أيت فرگان»
التي تضم عشائر«أيت ينو» و«أيت حيكو»، و«إمشتاقن»، و«أيت بومزوغ»، و«إخرمجون»، و«أيت
وسال»، و«أيت خرطي»، 14«تامزداغت».
- نصيب «أيت الثلث»
التي تضم عشائر «أيت موسى وعلي»، و«أيت يحيى وخليفة»، و«أيت وليل»، 13«تامزداغت».
وتشكل المساحة التي
قدرها 40 «تامزداغت» ، وهو العدد الذي يكتب دوما بالكتابة الجمعية «13+13+14»، مجالا
يزدگيا زراعيا يدعى «تمازيرت نايت يزدگ».
وفي الفقرة الثالثة
من المداخلة حصل تناول قبيلة أيت موسى، وإن كان بعض الوقت لم يمكن من تقديمها، وجب
تفصيل القول فيها على مستوى التدوين. ولئن
اهتم الاستعمار الفرنسي بالوضع السوسيومجالي للقبائل المغربية بالجنوب الشرقي،
وحاول ضبط المجالات حدودها، وأنجز المسح الطوبوغرافي في وقت مبكر، ودون أعراف واد
كير جميعها، فإنه لم يحفر كثيرا لربط قبيلة أيت موسى بهويتها السوسيومجالية. ذلك
أن القبائل الأمازيغية مرتبطة أشد الارتباط بالمجال الوظيفي، وكأن الأرض المشتركة
، هي الأم، والحال أنها أم، لتوافر عنصر الدم كما سلفت إليه الإشارة. فالدم لا
يفقد قيمته إن سال خارج العروق، تحت الوخز بالسيوف والخناجر، والرصاص بعيد
انتشاره، وبالتالي فملكية الأرض لا تثبت ولا تستقيم إن لم تسق –الأرض- بالدم.
والغريب أن الحماية الفرنسية لا تفتأ تمنح الحقوق في المجال بناء على السخرة، ذلك
أن القبائل التي استسلمت ووضعت السلاح، وطفقت تسمع وتطيع سلطات المستعمر، وتشق طرق
العربات تتمتع بمجال أوسع. وبمعنى آخر، فالمجال المحرر، بالحديد والدم في الغالب،
يتحول إلى مجال يستوجب تحريره بالذل والهوان، بأعمال السخرة (الكورفي) تحت سياط
الجلاد، وهي أعمال تنعت ب(التكرفيس) [التكرفيس كلمة عربية مرتبطة بآداب السجون في
العصر الوسيط، وتفيد تقييد السجين مقرفصا]، ولقد أضحى تعين كل معاناة يتعرض لها
الإنسان باسم (التكرفيس). ولأن أيت موسى قدمت تضحيات لا مثيل لها على الصعيد
الوطني، فقد حرمت من مجال وظيفي واضح المعالم كغيرها من قبائل الجنوب الشرقي. وإذا
كانت أيت موسى قد نهضت منذ سنة 1908 ريث وقوع معركة تازگارت، بعد احتلال مركز
بوذنيب سنة 1908، [يغلب أن اسم تازوارت أي: القرية القائدية [وقاومت المستعمر
الفرنسي، وسايرت مقاومتها توسعه، إلى أن وصلت منطقة البيطار، وهو الحد الفاصل بين
المجال الفرنسي والمجال الإسباني، حيث جرح هناك تحت وقع القصف شخصين من أسرة أيت
الزاحوط [بقي من أيت الزاحوط أسرتان إحداهما تسكن الگرعان، والثانية في أقدوس بواد
گير التي يسمونها قدوسة]. وكانت في البدء التحقت القبيلة بالمقاوم محمد بلقاسم
النگادي بتافيلالت، بعد احتلال فرنسا واد زيز، التي قاوم فيها محمد بلقاسم النگادي
وانتصر بعض الوقت في معركة سيدي بوكيل سنة 1922، ثم استمرت بعد توقف مقاومة بلقاسم
النگادي، تحت إشراف أولحاج بن حدو أقسو، لا يزال حفدته يقطنون مدينة ميدلت، فشاركت
في معركة تيزي نتدارت، قرب ورزازازت، وشاركت في معركة بوگافر بجبل صاغرو، قبل
نزولها الحد الفاصل بين فرنسا وإسبانيا في حدود 1936 على وجه التقدير. ويعنينا أنه
حصل شنآن بين فرنسا وإسبانيا انتهى بتمكن فرنسا من إرجاع أيت موسى إلى موضع أجمو،
الكائن بالسفح الشمالي لجبل بوعروس، كما ورد على لسان بعض شيوخ أيت موسى، ومنهم
ماما الحسين التي عاشت التجربة، ومكنني الظرف في استجوبها سنة 1988، بقرية تاوسارت
المموضعة على السفح الجنوبي لجبل بوعروس. وهناك من قال إنها نزلت أرض بوبرنوس بين
بوذنيب والرشيدية قبل نقلها إلى طار أو يازيد [أي رجل الديك] غرب موضع أجمو، شمال
غرب جبل بوعروس. ويعنينا أن قبيلة أيت موسى، وإن قاومت متنقلة وسقت بدمائها الجنوب
الشرقي المغربي كله، وتلك خاصية فريدة في الدفاع الذاتي، يبدو أنها تخص قبيلة أيت
موسى وحدها، أو على الأقل تفيد أن القبيلة خالفت القاعدة، ولم تعمل على سقي أرضها
ومجالها الوظيفي بالدم. ولقد قامت فرنسا بإحصاء القبيلة يوم هجرتها القسرية ابتغاء
المقاومة المتنقلة من بوذنيب إلى البيطار، اعتمادا على العرف القبلي والإثني لأيت
سغروشن، فكان بالطبع إحصاء غير سليم، لا من حيث ضبط عدد الأسر أو الكوانين، وعدد
ها 55 وقتها، ما دام الكانون وحدة أساسية للقياس في العرف الأمازيغي، بل من حيث
الاسم، إذ أطلقت عليها أيت مسروح الشرقيين، بعد أن موضعتهم بجوار أيت مسروح
الغربيين، يوم انطلقت مقاومته الجيش الفرنسي، مع المتصوف مولاي أحمد السبعي، وهذا
هو بيت القصيد. ذروني أقف قليلا عند الاسم. تنسب أيت مسروح إلى جبل مسروح، أي:
المرعى الصيفي لقبائل أيت سعروشن بالأطلس الكبير الشرقي. تضم أيت مسروح، أيت
بوبكر، وأيت حسا أوحدو، وأيت حسا أو لحسن وآخرين..... ويستنتج من الاسم أن مجال
أيت موسى يمتد من جنوب شرق جبل مسروح، وراء المجال الوظيفي لقرية إسكني شرق مركز
گرامة، إلى جبل أول أوفوناس (قلب الثور بالأمازيغية)، ومعنى ذلك أن القبيلة
استقرت، عنوة، بطار أويازيد، حيث فرض عليها القياس الإثني، لا القياس السوسيومجالي
الأمازيغي القائم على ري الأرض بالدم. وحدث أن اكتشفت معادن الرصاص في الأربعينات من
القرن الماضي بجبل بوعروس فسخرت ثلة من قبيلة أيت موسى في الصناعة الاستخراجية،
وسخرت القبيلة في شق الطريق الرابطة بين بوذنيب وكرامة في الشريط الفاصل بين
الگرعان وإيرارة [أيرارن بالأمازيغية، جمع الغول]. ولقد مكن البقاء القسري بطار
أويازيد، بعض أفراد القبيلة من الاستغلال الزراعي بموضع تاوسارت على الضفة اليسرى
لواد تاوسارت، بينما فضل الآخرون ممارسة الرعي والانتجاع. ولما حصل التقطيع
الإداري الأول، واستمر دور بوذنيب، أول مركز ذي شأن في عهد الحماية الفرنسية، وكان
أمر قيادة بوذنيب، التي كانت باشوية في عهد الحماية الفرنسية، بيد القائد المهدي
أوفقير، تنفست القبيلة الصعداء، وأصبحت تنتجع المراعي الممتدة من جنوب شرق مسروح
إلى حمادة گير، مرورا بجبل بوعروس، وباشر أومدا (مخلب النسر)، وهضبة الصنم، وفم
العمشان... وبعيد ذلك تراجع وضع بوذنيب، واختفى المهدي أو فقير، فاستمرت أيت موسى
تنتجع المراعي المذكورة. وإذا كانت أيت موسى قد تمتعت بعد معاناة دامت 38 سنة على
وجه التقريب من مجال رعوي مكنها من بعض التحرك، وحصل على شريط زراعي ضيق في
معتقلها بطار أويازيد. فإن سؤالا يطرح نفسه، ما هي أرض أيت موسى قبل انخراطها في
المقاومة ابتداء من سنة 1908؟.. تقول الرواية الشفوية أن أرضهم كائنة بگير الأسفل
غرب مركز بوذنيب، ولم تمكنهم فرنسا من العودة إلى أرضهم عقابا لهم عن مقاومتهم
الجيش الفرنسي من بوذنيب إلى تخوم طرفاية. ولا يزال طلبهم العودة إلى تلك الأرض
يواجه بالرفض، وإن ثبت في عرف بوذنيب عكس ذلك. وكما أخبرهم قائد قيادة أولاد النعام
في بحر سنة 2010 «لستم عضوا في أي جماعة سلالية تابعة لقيادة واد النعام». وإذا
كان الصراع حول أرض البرج شأن مرفوع، وقتها، إلى المحكمة لتبت فيه، فإن إعادة
النظر في وضع القبيلة قائم على أساس. وللإشارة فقد طفا الصراع حول أرض «البرج» برج
أيت موسى، وجرف أيت موسى بين رحل أيت موسى والمستقرين من سكان قصر بوذنيب ومحيطها،
وللقضاء كلمته في الحال أو المآل. وللعلم فقد نظمت مسيرة احتجاجية من لدن سكان
بوذنيب يوم السبت 21 من شهر شتنبر من عام 2013، كما ورد في جريدة الأحداث المغربية
بتاريخ 10 من شهر أكتوبر 2010، ضد «تعرض مؤخرا سكان من بوذنيب لاعتداء جسدي من لدن
الرحل..... هذا الاعتداء أجج غضب مئات من أبناء بوذنيب، ودفعهم إلى القيام بمسيرة
احتجاجية». ومن بين أباب الاحتجاج «تأخر القضاء في إصدار حكم نهائي حول أرض النزاع
بين قبيلة «أولاد موسى» (أيت موسى) وقصر «بوذنيب»». وبعيدا عن الصراع بين أيت
موسى، وغيرها من القبائل حول المجال، فإن وقت امتلاك الأرض بالخناجر والمقالع
والعنف قد ولى. ولا مجال لتلك الوسائد في عصر يلتهم فيه القانون الوضعي العرف.
والغريب في الأمر أن قيادة واد النعام لا تعترف لهؤلاء بأي هوية ثقافية او سوسيومجالية! فهناك أطفال يولدون ولا يتوافرون على الحق في التسجيل بالحالة المدنية، وهناك فتيات لا يحصلن على شواهد الزواج، وإنه لأمر مثير للانتباه، ولقد أخبرنا أحد العارفين الثقاة ببوذنيب أن أيت موسى تبتغي تثيبت الهوية بالانتساب إلى البرج وذلك ما هو غير ثابت في الحال، ولا وثيقة تفيد ذلك. وفوق ذلك ما هي الجماعة الترابية التي تحتضن أيت موسى إن هم رحل أو ينزعون إلى الاستقرار؟
لنجزم بما علمنا فقط، ونقول إن سكان تاوسارت، بما هم مستقرون، محسوبون على جماعة گير التابعة لإقليم ميدلت، وكذلك سكان أجمو وطار أويازيد (ثلاث أسر). إن كثيرا من سكان أيت موسى فضلوا الاستقرار بحوض گير الأسفل، الگرعان، وأقدوس، وأولاد علي، ومركز بوذنيب، ومنهم من استقر بأيت فضولي جنوب شرق مركز بني تجيت، ومنهم من يقطن بإيرارة (أيرارن). وكل هؤلاء يحصلون على الشواهد الإدارية بما هم سكان غرباء بتلك النقط العمرانية. وظل البعض الأخر منهم ينتجع مراعي حمادة گير، والمراعي المجاورة للمجال الترابي الكائن تحت إدارة الجزائر الشقيقة، يعيشون في وضع شفاهي بعيدا عن الضبط والتوثيق.
وختاما من هم أيت موسى في مجالية بوذنيب بعد تاريخ طويل دونوه بدمائهم سيرا على الأقدام من غرب بوذنيب إلى طرفاية؟ ومن هم أيت موسى في مجالية كير العلوي؟ أين يوجد مجالهم الترابي قبل استعمار مركز بوذنيب سنة 1908؟
والغريب في الأمر أن قيادة واد النعام لا تعترف لهؤلاء بأي هوية ثقافية او سوسيومجالية! فهناك أطفال يولدون ولا يتوافرون على الحق في التسجيل بالحالة المدنية، وهناك فتيات لا يحصلن على شواهد الزواج، وإنه لأمر مثير للانتباه، ولقد أخبرنا أحد العارفين الثقاة ببوذنيب أن أيت موسى تبتغي تثيبت الهوية بالانتساب إلى البرج وذلك ما هو غير ثابت في الحال، ولا وثيقة تفيد ذلك. وفوق ذلك ما هي الجماعة الترابية التي تحتضن أيت موسى إن هم رحل أو ينزعون إلى الاستقرار؟
لنجزم بما علمنا فقط، ونقول إن سكان تاوسارت، بما هم مستقرون، محسوبون على جماعة گير التابعة لإقليم ميدلت، وكذلك سكان أجمو وطار أويازيد (ثلاث أسر). إن كثيرا من سكان أيت موسى فضلوا الاستقرار بحوض گير الأسفل، الگرعان، وأقدوس، وأولاد علي، ومركز بوذنيب، ومنهم من استقر بأيت فضولي جنوب شرق مركز بني تجيت، ومنهم من يقطن بإيرارة (أيرارن). وكل هؤلاء يحصلون على الشواهد الإدارية بما هم سكان غرباء بتلك النقط العمرانية. وظل البعض الأخر منهم ينتجع مراعي حمادة گير، والمراعي المجاورة للمجال الترابي الكائن تحت إدارة الجزائر الشقيقة، يعيشون في وضع شفاهي بعيدا عن الضبط والتوثيق.
وختاما من هم أيت موسى في مجالية بوذنيب بعد تاريخ طويل دونوه بدمائهم سيرا على الأقدام من غرب بوذنيب إلى طرفاية؟ ومن هم أيت موسى في مجالية كير العلوي؟ أين يوجد مجالهم الترابي قبل استعمار مركز بوذنيب سنة 1908؟
(يتبع)
لحسن ايت الفقيه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق